حسن الأمين
99
مستدركات أعيان الشيعة
وفيما يلي موجز لمحاورة أقراطيلوس ، التي عرفها العرب منقولة بترجمة حنين بن إسحاق عن الصورة المشروحة التي تناولها بها جالينوس ، وللفارابي في كتابه عن فلسفة أفلاطون تعليق على محاورة أقراطيلوس هذه ، إذ يقول إن أفلاطون قد : « فحص . . . هل تلك الصناعة هي صناعة علم اللسان ، هل إذا أحاط الإنسان بالأسماء الدالة على المعاني على حسب دلالتها عند جمهور تلك الأمة التي لها ذلك اللسان . . . يكون قد أحاط علما بجواهر الأشياء ، وحصل لها بها ذلك العلم المطلوب ، إذ كان أهل هذه الصناعة يظنون بأنفسهم ذلك ، فيبين أنه لا تعطي هذه الصناعة ذلك العلم أصلا . . . وهذا في كتابه المعروف باقراطلس » . ( 1 ) وموضوع محاورة أقراطيلوس ( أو أقراطلس ) هو نشأة اللغة : هل الأسماء دالة على مسمياتها « بطبيعتها » وبحكم خصائص نابعة من الرمز اللغوي نفسه تجعله ملائما للشيء المرموز إليه به ، أم أنها تكتسب قوتها الدلالية بحكم « الاتفاق » الذي يصطلح عليه الناس في عملية التفاهم ؟ فان كانت الأولى ، كان لا مندوحة لنا عن اسم معين للشيء المعين ، وإن كانت الثانية كان أمر الاختيار متروكا لنا ، وكان الأمر جزافا . يأخذ أقراطيلوس بوجهة النظر الأولى ، ويأخذ هيرموجنيس - في المحاورة - بوجهة النظر الثانية ، فيقول أقراطيلوس بأنه ما لم نطلق على الشيء اسمه الصحيح الطبيعي الوحيد ، فنحن بمثابة من لا يسميه إطلاقا ، حتى لو اتفق الناس جميعا على اسم يختارونه له ويطلقونه عليه ، فيرد هيرموجنيس بان أي اسم يتفق أصحاب اللغة على إطلاقه على شيء ما كان اسما له وليس في طبائع الأشياء ما يحتم اسما دون اسم سواه ، ويسال سقراط عن رأيه في هذا النزاع ، فيقول أنه ليس خبيرا باللغة واستعمالها الصحيح ، ولو أدلى في الأمر برأي فسيكون رأيا مستمدا من البداهة الفطرية . الحق أن هذا الاختلاف في وجهة النظر إلى اللغة ، إن هو إلا وجه من عدة وجوه لاختلاف أكبر وأوسع ، يقابل فيه بين « الطبيعة » من ناحية و « الأوضاع الاجتماعية » من ناحية أخرى ، وهو اختلاف شمل عصر بركليس في يونان القديمة شمولا لم يكد يترك مسألة إلا أدخلها في هذه المقابلة : أيستند الإنسان في حياته الأخلاقية والسياسية والفكرية إلى فطرة الطبع ، فتحكمه قوانين الطبيعة كما تحكم كل شيء ، أم يستند إلى تقاليد المجتمع وأوضاعه كائنة ما كانت ؟ على أن الهدف الرئيسي للمحاورة ليس هو نشأة اللغة ، بل هو المهمة التي تؤديها ، فلو كانت اللغة تؤدي مهمتها على الوجه الأكمل لوجب أن تلتزم قواعد وأصولا ، مع أننا لو أخذنا بوجهة النظر القائلة أن اسم الشيء هو ما يصطلح الاتفاق عليه جزافا ، لأدى بنا ذلك إلى موقف تسلب فيه اللغة من أصولها وقواعدها الثابتة ، مما لا يتفق مع حقيقتها كما هي قائمة فعلا . لقد بدأ هيرموجنيس عرض رأيه - في المحاورة - في شيء من الإسراف ، فبالغ في قوله أن اللغة جزاف واعتساف ، قائلا أنه لو أراد هو أن يطلق اسما على شيء ما ، أصبح هذا الاسم اسما للشيء عنده هو ، حتى لو خالف به كل المتحدثين باللغة ، فلو أطلق اسم « حصان » على ما قد اتفق بقية الناس على تسميته « إنسانا » لأصبحت كلمة « حصان » هي الاسم الصحيح في لغته هو الخاصة ، كما أن اسم « إنسان » هو الاسم الصحيح للكائن نفسه عند سائر الناس . وهنا تنشأ مسألة شائكة ، وهي : الاسم جزء من جملة ، والجملة من الجمل تكون أما صادقة وأما كاذبة ، فهي صادقة إذا حكت عن واقع حقيقي ، وكاذبة إذا كانت على خلاف ذلك ، لكننا إذا قلنا عن الجملة الواحدة أو عن الفكر المؤلف من عدة جمل إنه اما صادق وأما كاذب ، فكذلك ينبغي أن تكون الحال بالنسبة إلى كل جزء من أجزاء الجملة ، فكل جزء من أجزاء جملة صادقة لا بد أن يكون بدوره صادقا ، فكيف يكون الصدق أو الكذب بالنسبة إلى الكلمة الواحدة إلا إذا افترضنا بان هنالك من الكلمات ما هو صحيح بطبيعته وما هو مغلوط بطبيعته ؟ وأن سقراط ليدلي في هذا الموضع من المحاورة برأي سديد ، إذ يقول : أن اللغة نشاط « اجتماعي » فهي في أساسها أداة للتفاهم بين عدة أفراد في مجتمع واحد ، فلو أطلقت أنا وحدي اسما على شيء ما ، ثم زعمت أنه الاسم الصحيح بالنسبة لي ، على الرغم من اختلافه عما قد تواضع الناس عليه في تسمية ذلك الشيء ، لما أدت اللغة عندئذ مهمتها الاجتماعية ، وبهذا جاز لنا أن نقول عن اسم ما أنه باطل حين نقصد بالبطلان أنه يعوق عملية التفاهم . على أن هذا الرأي يبطل أن تكون الأسماء من وضع فرد واحد يضعها لاستعماله الخاص ، لكنه لا يبطل أن تكون الأسماء من وضع جماعة بعينها ، وأنه لا فرق بين اتفاق واتفاق ، فلا فرق بين لغة اليونان ولغة الهمج ، ما دامت كل منهما اتفاقا يسري بين أبنائها ، وإن تعدد اللغات في شعوب الأرض لهو وحده دليل كاف على أن اللغة إن لم تكن مقصورة على اصطلاح الفرد الواحد بينه وبين نفسه ، فهي اصطلاح تصطلح عليه كل جماعة على حدة . لكنه إذا كانت أسماء الأشياء مرهونة باي اتفاق شاءت الجماعة أن تتواضع عليه ، فليس الأمر كذلك بالنسبة لحقائق الأشياء ذاتها ، نعم أن بروتاجوراس قد ذهب إلى أن حقيقة أي شيء هي أمر نسبي يختلف من شخص إلى شخص حسب طريقة إدراك الشخص المعين للشيء ، لكننا نغض النظر الآن عن مثل هذا الرأي ، ونقرر أن حقائق الأشياء ثابتة ، وليست هي بالأمر المرهون باتفاق الناس واصطلاحهم ، لكن أليست ضروب الفاعلية الإنسانية هي من بين الأشياء ؟ وإن كانت كذلك ، ألا يكون لها « طبيعة » خاصة بها و « حقيقة » ثابتة لها ؟ إننا إذا أردنا أداء فعل معين يحقق هدفا معينا ، لم يكن لنا الاختيار في طريقة أدائه ولا في الأداة التي نستخدمها في فعله ، بل يتحتم علينا أن نراعي طبيعة الشيء الذي نصب عليه الفعل ، كما نراعي نوع الأداة المستخدمة ، فشق الخشب مثلا له طريقة خاصة وأداة خاصة ، وهكذا ، لكن « الكلام » عن الأشياء ، وإطلاق « أسماء » على الأشياء هو ضرب من الفاعلية ولا شك وإذن فليس هو متروكا لنزواتنا وأهوائنا ، بل هو ملزم باصطناع طريق خاص وأداة خاصة ، فإذا أسمينا
--> ( 1 ) منقول عن كتاب « جابر بن حيان » لپول كراوس ، جزء 2 ، ص 238 .